2470507950_fb79caa2b81

حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها، نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات، ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.

لقد راقبت السيدة تومسون الطفل تيدي خلال العام السابق، ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام، بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط، وتضع عليها علامات x بخط عريض، وبعد ذلك تكتب عبارة “راسب” في أعلى تلك الأوراق.

وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!

لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: “تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة. إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق”.

وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: “تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف، ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب”.

أما معله في الصف الثالث فقد كتب عنه: “لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه.. لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً، وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات”.

بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: “تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس”.

وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها، وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي. فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون، مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي، وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط.. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها. ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي! !

وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل، لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة “معلمة فصل”، وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه، وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل، وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.

وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: “إنها أفضل معلمة قابلها في حياته”.

مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية، وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.

وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: “إن الأشياء أصبحت صعبة، وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى، وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن”.

وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس، قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته، ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!

لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع، يقول فيه: “إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين، وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك”، والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت، والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!

واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ، وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.

فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة، لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.

(تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز “ستودارد” لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية).

إن الحياة مليئة بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً. والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون. يجب ألا تتسرع في إصدار الأحكام، وأن تسبر غور ما ترى، خاصة إذا كان الذي أمامك نفساً إنسانية بعيدة الأغوار، موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار.

Advertisements
تعليقات
  1. مسولف كتب:

    للحضه حسيت بفرق كبير بين مدارسنا ومدارسهم << هل لدينا سجلات دراسية سابقة ؟

    اعتقد ان الطلاب وخصوصا في المرحلة الإبتدائية عندنا يحتاج إلى حنان مو شخص مرعب بعوارض .. !

    <<ماكنك طلعت عن الموضوع

  2. أحمد كتب:

    هلا ليلي,

    كيف اليوم ان شاء الله بخير

    موضوعك اليوم شدني بصراحة في الحياه كثير من القصص التي ممكن نستفيد متها منها سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير الصحابه والخلفاء الراشدين والعضماء المسلمين وغير المسلمين
    وكل شخص سواء رجل او انثى اعطاء للانسانية الكثير.

    حقا نستفيد تذكرت امي وانا اقرا القصة كم هي عظيمه كم هي ضحت من اجلنا بعد الوالد ( فك الله اسره ) ولكن اشكر الله تعالى في كل حين لانه جعلني ابن لهذه الامراه.
    ربي لا اريد الجنة الا تحت اقدام امي

    ولك بعض اجمل ماقيل عن الام

    ماري هوبكنز

    الأُمُومَه أعظمُ هِبَةٍ خَصَّ الله بها النساء

    شكسبير

    ليس في العالم وِسَادَةٌ أنعم من حضن الأم

    بيتشر

    قلب الأم مدرسة الطفل

    أندريه غريتري

    من روائع خلق الله قلب الأم

    إسلام شمس الدين

    حينما أنحني لأقبل يديكِ وأسكب دموع ضعفي
    فوق صدرك و استجدي نظرات الرضا
    من عينيكِ .
    حينها فقط أشعر باكتمال رجولتي.

    الامير عبدالرحمن بن مساعد

    اسألوا دمي .. وسعادتي وهمي

    اسـألــوا التـوفـيـق ..

    والــكــدر والـضـيــق

    اسألوا الطيب في صفاتـي ..

    والدعاء اللـي فـي صلاتـي

    واسـألـوا شـهــودي ..

    الدموع اللـي فـي سجـودي

    اسألوهم .. واسألوا دمـي ..

    عـــن غـــلا أمـــي
    واخيراً

    تحياتي لك
    أحمد عبدالله

  3. أمل هاشم كتب:

    عزيزتي ليلى…
    لك كل الشكر على نقلك لهذه القصة الرائعة…
    كم هو جميل ان نتعلم من اخطائنا ونحاول تقييم سلوكنا تجاه الاخرين..
    لا شك بانها قصة رائعة نتعلم منها الكثير..ولكن اتدرين ان ما لفت نظري هو الشعور السلبي من المعلمة تجاه الطفل لمجرد شكله..وهذا للاسف موجود في مجتمعنا..ولكن الشيء الغير موجود لدينا هو ذلك التقرير او الملاحظة السنوية لمربي الصف والذي من خلاله يتعرف الاساتذة اللاحقون على شخصية الطالب..فلولا هذه الملاحظات لبقي هذا الطفل يعاني الاهمال والاكتئاب..ولما تنبهت المعلمة لنبوغه و معاناته…

  4. إن الحياة مليئة بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً. والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون. يجب ألا تتسرع في إصدار الأحكام، وأن تسبر غور ما ترى، خاصة إذا كان الذي أمامك نفساً إنسانية بعيدة الأغوار، موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    بارك الله فيك وأعزك أختى الفاضلة : ليلى
    أحسنت….

  5. sergio كتب:

    أخت ليلى

    شكرا على القصة الرائعة

    الحكم على الأشخاص من خلال أشكالهم غريزة مقيتة في النفس البشرية

    ومن الصعب على الشخص أن يتخلص منها إلا بالتدرب على ذلك

    أتذكر أنني رأيت شخصا كان يعمل في الجامعة كفني لأحد المعامل وكان لباسه بسيط جدا وإذا لم أبالغ فهو (رث)

    لكن عندما تحدثت معه وجدته أعلم بألف مرة من أساتذة الجامعة وغير نظرتي في الحياة منذ ذلك الموقف

    تدوينة رائعة

    دمت متألقة

  6. السلام عليكم ورحمة الله …
    غاليتي ليلى …
    قصة رائعة فعلاً ..
    حركت كثيراً من المشاعر في داخلي ..
    فكثيرٌ من المعلمين يترك أثراً طيباً في طلابهم .. في حين أن هناك مع الأسف من يترك أثراً سلبياً …
    تحية عذبة .. 🙂

  7. ليلى.ق كتب:

    مسولف ..
    دوبك تحس بالفرق ، إلا شكلك متعقد من مدرس بعوارض << ضحكت ضحك هنا 🙂

    .
    أحمد ..
    العبرة في التيقظ للآخرين ، رائعة هي الأم ورائعة إضافاتك 🙂

    .
    أمل هاشم ..
    أزيدك من الشعر بيت لولا التقرير كان انتهى المطاف مدمناً ، قيسي على ذلك حال أطفالنا بل جيل الشباب الآن . تحية عطرة .

    .
    أستاذي محمد الجرايحي ..
    أشكرك .. جزاك الله خير .

    .
    sergio .. حركات يا سيرجو 🙂
    أتعلم تفادياً للحكم المتعنت على الأشخاص من غير وجه حق وظلم يجب أن يتعلم الناس لغة الملامح ولغة الجسد .. الفطن والمتمكن هو من يسبر أغوار الشخص من عينه .

    .
    بصمة فتاة ..
    هذه القصة جعلت دموعي أربع أربع كما يقولون .
    لي معلمة درستني في الصف الثالت الإبتدائي لن أنساها ما حييت وما زلت أحتفظ ببطاقة شكرها لي كم هي رائعة المعلمة (هند التلمساني) لا أعلم ماهي أخبارها الله يجازيها كل الخير كان لها أثر بالغ في نفسي ومعلمة أخرى في المرحلة الثانوية لا أحبذ ذكر اسمها لأنها مازالت على رأس العمل 🙂

  8. يالهُ من إنسانٍ محظوظ ..
    )(
    كثير من الناس يتكبرون في نظرتهم للغير ..
    ويظلمونهم بِـ ظنونهم السئيه التي إن اعتادوا على إطلاقها فقد لايبرحوا منها..
    إضافة أنها ستكسبهم إثما .. فهو شي منهي عنه شرعاً وإن كان التكبر والتنفر من أحدهم غير ظاهراً ..
    كما أن الإحساس بمشاعر الغير يصنع الكثير ..

    )(

    أشكركِ لِـ هذا الإختيار .. رائعه جداً ^^

  9. Reema كتب:

    القصة معبرة جداً ..
    تعلمنا ان ترجع للاوراق القديمة التي تفيدنا كثيراً في الحياة .. وان كل الآلام بحاجة لشخص ينسينا اياها ويقوينا على إجتيازها .. وان من اللآزم ان لا نتسرع في نظرتنا للآخرين

    جميلة ومعبره .. شكراً ^^

  10. دينا جمبي كتب:

    أختي ليلى .ق
    أمي هند تلمساني ترسل لك السلام ، هي بخير والحمد لله وتدعو لك بالتوفيق وتمنت أن تعرف اسمك ويمكنك مراسلتها على a7lamama@live.com
    الله يوفقكم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s